جلال الدين السيوطي
205
الأشباه والنظائر في النحو
مرغوبا فيه ، ولو وجّهت أيها المتعسف هذه المسألة على ما وجّهه النحويون لأرحت واسترحت ، وهو أن تجعل الطيب اسم ليس وإلّا المسك بدلا منه ، والخبر محذوفا ، وتقديره ليس في الدنيا الطيب إلا المسك ، وعلى ذلك حملوا قول الشاعر : [ الكامل ] « 522 » - لهفي عليك للهفة من خائف * يبغي جوارك حين ليس مجير يريد : حين ليس في الدنيا مجير ، وقد أجاز أبو علي أن تكون اللام في الطيب زائدة على حدّ زيادتها في قولهم : ادخلوا الأوّل فالأوّل ، فيصير التقدير : ليس طيب إلا المسك ، على تأويل ليس في الوجود طيب إلّا المسك ، أي أنّ كل طيب غير المسك فليس بطيب على طريق المبالغة في وصف المسك ، وبالجملة فإنّ هذا القول الذي ذهب إليه النحويون لا يصح بما حكاه سيبويه من قولهم : وما كان الطيب إلا المسك على ما قدمت ذكره ، وليس ذلك لغتين ، فيقال : إنّ « ليس الطّيب إلا المسك » لغة قوم ، و « ما كان الطيب إلا المسك » لغة قوم آخرين ، بل القوم الذين يقولون : ليس الطيب إلا المسك ، فيرفعون ، هم القائلون : ما كان الطيب إلا المسك ، فينصبون على ما حكاه سيبويه ، وبهذا السبب توقف عن حمل ( ليس ) في لغتهم على أنّ فيها إضمارا ، وهذه اللغة ليست هي المشهورة ، وليس الشاذ النادر الخارج عن القياس يوجب إبطال الأصول . المسألة الرابعة : قال أبو نزار : قال اللّه عزّ وجلّ : وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً [ النساء : 12 ] ، وقد ذكر في نصب كلالة أشياء كلّها فاسدة ، وخلط ابن قتيبة غاية التخليط ، والذي يقال : إنّ الكلالة قد فسّرت بتركة ليس فيها ولد ، لا جرم أنّ الإعراب ينطبق على هذا ، فإن المعتاد أنّ الإنسان إنما يدأب ليترك لولده بعد موته ، فإذا حضر الموت ولا ولد له ظهر تعبه ، فقوله : يورث يقدر بعده كالّا وكلالة ، فإنّ كلّ قد جاء بمعنى تعب ، والمعنى يورث في حال ظهور تعبه وكلاله ، وكلال مصدر كلّ ، وقد قال سيبويه : إنّ تاء التأنيث تدخل على المصدر المجردة وذوات الزوائد دخولا مطردا ، فهي تدل على المرة الواحدة ، فنصب كلالة لأنّه مصدر منقلب عن حال ، وما أكثر ذلك في كلامهم ، ومنه : أرسلها العراك فقال الرادّ عليه :
--> ( 522 ) - الشاهد للشمردل بن عبد اللّه الليثي في شرح التصريح ( 1 / 200 ) ، وشرح شواهد المغني ( 2 / 927 ) ، والمقاصد النحوية ( 2 / 103 ) ، وللتميميّ الحماسيّ في الدرر ( 2 / 63 ) ، وللتيميّ في شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ( ص 950 ) ، وبلا نسبة في أوضح المسالك ( 1 / 287 ) ، وجواهر الأدب ( ص 205 ) ، وشرح الأشموني ( 1 / 126 ) ، ومغني اللبيب ( 2 / 631 ) ، وهمع الهوامع ( 1 / 116 ) .